مفترق طرق | بقلم شيرين خالد

دائماً ما كنت أبحث عن ذاتي في قراءة السير الذاتية لأشخاص ذوي تأثير وأثر بالغ في عصورهم وأوطانهم، هؤلاء الذين لم يكونوا يعلموا شيئا عن إيماننا وتبجيلنا لجهودهم بعد وفاتهم وإن كنت أؤمن أنهم خلدوا ذكراهم برسوخهم في عقولنا وقلوبنا وما تركوا لنا من علامات مضيئة نهتدي بها في كل عصر وزمان فأصبحت أرى حقيقة ما يحدث بهذه الحياة، فعندما نرى أنبياء الله ولا سيما أولي العزم منهم وما عانوه وتكبدوه في سبيل دعوتهم للحق، ومن بعدهم هؤلاء العلماء الذين تمردوا على الجمود العقلي وحاولوا التغيير والتدبر، منهم من نعت بالجنون ومنهم من نعت بالسحر ومنهم .. ومنهم ..، جميعهم عانوا لينقشوا أسماءهم بحروف من نور في ذاكرة البشرية جمعاء.
عندما تأملت السيرة الذاتية للرئيس السادات .. قاسم أمين .. هدى شعراوي .. الدكتور مصطفى محمود .. أم كلثوم .. وغيرهم الكثير سألت نفسي عدة تساؤلات :
من منهم لم يعاني؟
من منهم لم يحارب ؟
من منهم لم يشعر بالألم وييأس للحظات لسبب أو آخر ؟
من منهم لم يكن في حياته هؤلاء الأشخاص ذوي الطاقة السلبية وحاولوا إحباطهم ؟
من منهم من لم يجد عقبات كثر في طريقه ؟
لكنهم جميعا يشتركون في نفس الشئ وهو الثقة والصبر، وثقوا في الله وإمكانياتهم ووطنهم، وصبروا على كل ما عانوا في سبيل الوصول لأحلامهم وتحقيقها، كل منهم كان لديه رسالة سعى لتحقيقها بصدق إلى أن حققوا مرامهم وأصبحوا ما نراهم نحن فيه الآن.
نيوتن … آينشتاين.. جراهام بل .. وغيرهم .. هؤلاء جميعاً حاولوا وأخفقوا فحاولوا إلى أن نجحوا.
وإن نظرنا للأوطان نجدنا نحن أيضاً كمصريين، عانينا منذ فجر التاريخ من الاستعمار بشتى أنواعه وكم كانت للهزيمة في السابع والستين من مرارة وألم اشتعل في القلوب والأرواح لكننا لم نستسلم وصنعنا من الهزيمة درساً لا يثنينا عن الانتصار.
عانينا الفقر والاستعمار لكننا حافظنا على هويتنا ولم يغير بنا مستعمر مهما طال استعماره، إلى أن أسلمنا عقولنا لمن لا يريدوا بنا سوى السوء ولا أسوأ من استعمار العقل والفكر وإفقاد الإنسان اعتزازه بذاته ووطنه.
عندما كنت استمع في صغري لهذه الأغنيات التي كانت تصف مصر بالأم لم أكن أدرك ما لهذا الوصف من عمق كبير، فالأم هي الأقرب وهي فقط من لا يثنينا عن حبها شئ فلا فقر ولا مرض ولا عجز قد يجعلنا نتخلى عنها وإن حزننا بسببها يوماً فلا هي تتمنى إيلامنا ولا نحن نستطيع التخلي عن حبها الذي فُطِرنا عليه.
وفي إحدى المرات التي تأملت حالنا فيها وقد كنت في هذه المرحلة أحاول الثبات في وجه اليأس الذي يحيط بي، سألت نفسي ما هو الأصوب ” المواجهة أم الهروب”؟
فقد كان حالنا كمريض تعرض لجرح يحتاج إلى علاج مؤلم نوعاً ما لكنه هو الذي يجدي نفعاً، لكنه لم يتبع هذا العلاج وعمد إلى بعض المسكنات وأخذ يتناولها إلى أن زاد الجرح سوءاً وأثرت المسكنات على صحته بالسلب، فعندما عمد إلى العلاج مرة أخرى وتشخيص الطبيب اضطر إلى الخضوع لعلاج أكثر تعقيداً وأطول في مدة العلاج.
هذا هو نحن هل نكمل في المسكنات اليومية دون النظر للغد، أم نعاني فترة للتخلص من الألم للأبد ؟
ونحن هل نؤمن بأن المستقبل نحن نرسمه بأيدينا وسعينا ونصبر في سبيل تحقيق أحلامنا كهؤلاء العظماء الذين خلد ذكراهم التاريخ .. أم نستسلم لليأس والإحباط ؟
هؤلاء اللذين تعرضوا للنكسة وعانوا من الفقر والاستعمار والمهانة ” استسلموا أم صبروا واجتهدوا”، وأخيراً وليس آخراً أحب أن أختم حديثي بهذه الحكمة القائلة
” ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر “.
على قدر الكد تكتسب المعالي
ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن طلب العلا من غير كدٍّ
أضاع العمر في طلب المحال .