” حرب العقول “| بقلم شيرين خالد

” كذلك كنا قديما أول من صاح في الناس ( الحرية والمساواة والإخاء ) كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر، وقد حرمت بترديدها العالم من نجاحه، وحرمت الفرد من حريته الشخصية الحقيقية التي كانت من قبل في حمى من يحفظها من أن يخنقها السفلة ” ( بروتوكلات حكماء صهيون _ ترجمة الأستاذ / عباس العقاد / الطبعة الخامسة ).
كلمات جاهر بها المفكرون من بني صهيون في بروتوكولاتهم المسماة ” بروتوكولات حكماء صهيون ” هذا المخطط الصهيوني الذي يعد إعلانا صريحا عن خططهم و مجهوداتهم الكبيرة منذ زمن لزرع الفتنة وتقسيم العالم والسيطرة على الاقتصاد لخدمة حلمهم الكبير في السيطرة عليه، لست من أنصار نظرية المؤامرة بشكل مطلق فإن لم يجد هؤلاء بيننا من يذلل أمامهم الصعاب لتنفيذ مخططاتهم” ما استطاعوا تحت ستارات دول وشعارات تزعم الديمقراطية ودعم الأقليات أن ينالوا ما أرادوا من فرقة وصراعات طائفية وعرقية وانقسامات وثورات تدعى ” الربيع العربي وهي في حقيقتها ليست ربيعا ” ،كلمات لا نجد فيها سوى مؤشرات ودلائل واضحة حول الساعين وراء الفوضى الخلاقة، هذا المصطلح والاستراتيجية التي تهدف إلى الهدم ثم إعادة البناء من خلال نشر الفوضى في الدول المستهدفة لتمزيقها وإنهاء نظامها السياسي باستخدام ذرائع الفتنة والتقسيم والشعارات الرنانة، والعمل على الاحتلال الفكري وتجريف الهوية واستخدام الدين والفن والثقافة كقوى ناعمة في التأثير على المنطقة بشكل كلي.
ولكن هنا يأتي السؤال – ما مدى تأثير القوى الناعمة ” في نجاح هذه الاستراتيجية ؟
لقد مر الوطن العربي بصراعات وحروب عدة، كما واجهت مصر على وجه الخصوص أعداء شتى نظرا لأهميتها الجيوبولتيكية الناتجة عن امتيازات عدة كانت ولا زالت محط أنظار وأطماع دول كثيرة، كما أنها عمود الخيمة التي إن وقعت سهلت السيطرة على الوطن العربي أجمع.
وبالنظر للتاريخ نجد أن الحروب المادية التي استخدمت القوة الصلبة وإن كان فيها المستعمر يملك من القوة والعتاد ما هو كفيل لهزيمتنا إلا أننا كنا نعود لننتصر فتصبح القاهرة حقا قاهرة لأعدائها دوما، وبالنظر لآخر هذه الحروب حرب أكتوبر ١٩٧٣ نجد أن أعداءنا قد أدركوا أنه لا جدوى حقيقية لاستخدام القوة الصلبة فقط فكان الاتجاه لنوع أراه أكثر خطرا وتأثيرا وهو القوة الناعمة.
هذه القوى التي بإمكانها التأثير في العقول وتدمير القيم التي تقوم عليها المجتمعات والتي يستخدم فيها الفن والثقافة والإعلام والدين في تنفيذ هذا بل وفي التفرقة بين الشعوب وداخل الوطن الواحد من خلال نشر الأفكار الهدامة والمتطرفة بشكل مباشر وغير مباشر وباستخدام عدد من الخونة و المرتزقة من المضللين أو المنتفعين، ولنا على ذلك أمثلة كثيرة مما عاصرته مصر خلال العقود الماضية وما عاصره الوطن العربي ونعاصره إلى الآن.
فما من شئ أكثر خطرا من استهداف العقول والعبث بها لتفقد الثقة في نفسها وأوطانها لتصبح أداة لتخريب مجتمعاتها تحت وطأة السيطرة والهيمنة لأفكار مضللة وشعارات في ظاهرها خير وباطنها تدمير وخراب وقد كانت للجماعات الإسلامية أيضا دورا في هذا الشئ، علاوة على بعض منظمات المجتمع المدني والقنوات الإعلامية والرسائل الفنية التي تحمل رسائلا ضمنية تهدف إلى النيل من عزيمتنا، وبالفعل فقد سقطت بعض الدول فريسة لهذا العدوان الغاشم ،وظلت دول أخرى تواجهه بكل ما أوتيت من قوة ومنها مصر التي أفسدت مخططا محكوما لتدميرها لتصبح الشوكة التي تقف في حلق العدو وتحول دون تحقيقه لما يريد.
بعد أن ساندت قواتنا المسلحة إرادة الشعب في التخلص من جماعة الإخوان الإرهابية وأفكارها الهدامة التي كانت تسعى لتدمير المجتمع المصري وتحويله لبيئة متطرفة تخدم مصالح أكبر في سبيل تحقيق أحلامهم المزعومة، وبعد تولي زمام الأمور قائدا وطنيا أدرك أن البناء ليس فقط للبنى التحتية والاقتصاد فحسب بل هناك بناء أهم، وأن الحرب على الإرهاب ليست فقط حربا مادية ولكنها حربا فكرية ومعركة فيها الوعي والمعرفة أحد أهم الأسلحة وهو السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي لطالما أكد على أهمية الاهتمام بالفن والثقافة والإعلام وتجديد الخطاب الديني بما يكفل حماية حقيقية للمجتمع من أن يقع ضعافه فريسة لتجار الدين أو المضللين أو الأفكار الهدامة التي تهدف لتدمير قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وديننا القويم وقبل كل ذلك هويتنا وثقتنا بإمكاناتنا ووطننا.
دفعنا الكثير من الدماء الطاهرة العطرة في مواجهة الإرهاب، وأدركنا أنه ليس إلا نتيجة لحروب فكرية شرسة تضلل العقول وتغيب الأذهان فأصبح الرد بنفس الاستراتيجية للسعي نحو بناء الإنسان الواعي والمدرك لما يدور حوله، المواطن الذي يثق في قدرته على التغيير وفي قدرة وطنه على التقدم، لنستأنف ما بدأناه قديما من سبق وتقدم وعلم وثقافة وفن وفي أعماقنا فهم سليم لرسالة الأديان السماوية، فنجد في الممر سبيلا للوصول وفي الاختيار صورة للواقع بكل ما فيه من قسوة ومؤامرات وأكاذيب مضللة.
ليصبح كل منا مقاتلا في مكانه يحمل رسالة حقيقية وينشر الوعي والمعرفة مدركا لمجريات الأمور وذرائع الفتن، لتبقى مصر مرفوعة الرأس والهامة بقيادة حكيمة وجيش وشرطة يبذلون أرواحهم في سبيل أمنها واستقرارها وشعب واعي واثقا في وطنه، وبهذا لن نُهزَم أبدا في هذه الحرب الدنيئة ” حرب العقول “.