مصر المحروسة تتزين بحلوي المولد في مظهر يؤكد التفرد الإبداعي المصري

إذ أخذت “سرادقات حلوى المولد” زينتها وبلغت ذروة توهجها في شوارع مصر المحروسة مع نفحات مباركة وساعات يستعد فيها المصريون وكل العالم الإسلامي للاحتفال بالذكرى العطرة لمولد الحبيب المصطفى، فإن هذه الحلوى وخاصة “عروسة المولد والحصان” تشكل تفردا تاريخيا إبداعيا مصريا في هذا الاحتفال ورمزا غاليا من رموز الثقافة الغذائية المصرية المقترنة بالبهجة.
وبقدر ما تشكل “حلوى المولد النبوي” مظهرا من مظاهر البهجة المصرية في الاحتفال بهذه الذكرى العطرة، فإنها تومئ أيضا لهوية المصريين وتراثهم وتاريخهم الثقافي وعاداتهم وتقاليدهم وانتصارهم للحياة والبهجة البريئة.
وفيما تتابع الصحف ووسائل الإعلام على وجه العموم مؤشرات أسعار حلوى المولد ويتطرق البعض لأسعار السكر والمكسرات والمواد الخام التي تدخل في صناعة الحلوى؛ تتردد الآن المصطلحات الغذائية المحببة للمصريين مثل: “الحمصية والسمسمية والفولية والبندقية واللوزية والملبن”.
وهناك عدة روايات حول تاريخ حلوى المولد في مصر، من بينها: أن الخليفة الفاطمى، كان يشجع جنوده المنتصرين
على أعدائه بتزويجهم بعروس جميلة، وأصبحت عادة وقت احتفالات النصر كل عام أن يقوم ديوان الحلوى التابع للخليفة بصناعة عرائس جميلة من الحلوى، لتقديمها كهدايا إلى القادة المنتصرين وإلى عامة الشعب والأطفال.
وهناك رواية أخرى تقول، إن الحاكم بأمر الله، كان يحرص على أن تخرج إحدى زوجاته معه فى يوم المولد النبوى، فظهرت فى الموكب بثوب ناصع البياض وعلى رأسها تاج من الياسمين، فقام صنّاع الحلوى برسم الأميرة والحاكم فى قالب الحلوى على هيئة عروس جميلة، والحاكم تم صنعه فارسا يمتطى جوادا، بعد ذلك أمر الحاكم بأمر الله أن تتزامن أفراح الزواج وعقد القران مع مولد النبى صلى الله عليه وسلم، وهو ما فسر سر العروس التى تُصنع فى موسم المولد بشكلها المزركش وألوانها الجميلة.
ويقال أن الحكام الفاطميين كانوا يشجعون الشباب على عقد قرانهم فى يوم المولد النبوى، ولذلك أبدع صناع الحلوى فى تشكيل عرائس المولد، وتغطيتها بأزياء تعكس روح هذا العصر والتراث.
وفي عصرنا الحاضر، يحرص كثير من الشباب المصريين (حديثى الخطوبة او الزواج) على إهداء خطيبته أو زوجته عروس المولد وشرائها من أكبر المحلات، فضلا عن حلوى المولد، وتظل الزوجة تحتفظ بعروس المولد لسنين وربما حتى يراها أولادها وأحفادها.
«حلوى المولد» تحتوي على الكثير من الفوائد الغذائية
يتفق خبراء التغذية الذين يتحدثون عبر المنابر الصحفية والإعلامية في سياق الاحتفال بذكرى المولد النبوي على أن “حلوى المولد” تحتوي على الكثير من الفوائد الغذائية؛ غير أنهم يحذرون من الإفراط في تناولها.
و”عروسة المولد والحصان” المصنوعان من السكر هما إبداع مصري أصيل في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لبث البهجة في نفوس الأطفال الذين ينتظرون كل عام “سرادقات حلوى المولد” وتتجه أنظارهم صوب العروس والحصان بالألوان المزركشة والمبهجة، فيما عرفت شوارع مصر المحروسة عبر تاريخها المديد وضع زينات في الشوارع في سياق تلك الاحتفالات.
ولبعض الباحثين في التاريخ مثل إبراهيم عناني؛ عضو اتحاد المؤرخين العرب؛ كتابات مشوقة عن الاحتفال بالمولد النبوي و”عروسة المولد” التي ترجع للعصر الفاطمي، فيما يشير عناني إلى أن صناع حلوى المولد بمصر في العصر الحديث يشكلونها أحيانا في ضوء الأحداث والتحديات التي يواجهها المصريون.
وتناول أستاذ الأدب العربي بجامعة حلوان الدكتور بهاء حسب الله من منظور تاريخي احتفالات المصريين بالمولد النبوي الشريف بإضاءة القناديل في المساجد والتهليل والتكبير والتنزه في نهر النيل بمراكب شراعية، بينما يبقى الغذاء من الملامح الراسخة لتلك الاحتفالات في كل ربوع مصر حيث يأكل المصريون ما يحبونه من ألوان الطعام في مناسبات احتفالاتهم.
العلاقة بين الثقافة والغذاء في «أرض الكنانة»
في مصر “أرض الكنانة” تتجلى العلاقة بين الثقافة والغذاء والهوية في تلك الساعات المباركة، بينما تجمع حلوى المولد التي تعد من أهم ملامح احتفالات المصريين بمولد الحبيب المصطفى ما بين مظاهر البهجة وعلامات الهوية.
والاحتفالات بالمولد النبوي الشريف ، شكل مددا لكتابات بمداد الحنين للأيام الخوالي واستحضار “لمة العائلة والجيران” والطقوس المبهجة للأطفال مع “العروسة والحصان” واستدعاء ذكريات وأحباب ذهبوا منذ سنين طويلة ومازالوا يعيشون فينا.
وإذا كان المصريون قد أبدعوا في صناعة الحلوى التي تجاوز عدد أنواعها في عصورهم الوسطى 50 نوعا حسب كتابات ودراسات تاريخية، فإن “سوق الحلاويين” عند “باب زويلة” في قاهرة العصور الوسطى، كان يتحدى كل أسواق العالم بمعروضاته من ألوان وأصناف الحلوى.
وبثقافة التضامن والتكافل التي تضرب بجذورها العميقة في بنية الضمير المصري تشكل الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف علامة دالة على هذه الثقافة ، حيث يجد أصحاب الحاجات من يوسع عليهم في هذا “اليوم المفترج” ويقدم الحلوى لأطفالهم.
والأمر هنا في مصر الخالدة قد يشكل نموذجا هاديا لكاتب غربي مثل الكاتب الايطالي ستيفانو بيني الذي تناول في طرح بعنوان “الطعام والتعايش” الدور الذي ينهض به إعداد الطعام وتبادله أحيانا كهدايا بين العائلات المختلفة في تعزيز المناعة المجتمعية وترسيخ بنية المجتمع و”بث الألفة بين كل من يعيشون تحت سماء واحدة في بلد واحد”.
وفيما يقول ستيفانو بيني: “إذا نجحنا في أن نشم رائحة مطبخ الآخرين وأن نعرف شيئا عن تراثهم، فقد تمضي الأمور على نحو أفضل”، فالحلوى في الثقافة الغربية كما هو في ثقافات عديدة تقترن بالبهجة وبعض الدول مثل بلجيكا تفخر بأنها معقل من معاقل الحلوى الغربية وتتنافس مع بلدان أخرى كهولندا وألمانيا وسويسرا في تقديم مذاقات متعددة للشوكولاته.
ولئن ضم “الميدان الكبير” في العاصمة البلجيكية بروكسل أحد أكبر تجمعات تجار الشوكولاته والحلوى ككل في أوروبا، فإن الحلوى العربية حاضرة في مثل هذا التجمع عبر “متاجر الحلوى المغربية”.
وفي صيف عام 2005 عرض في مصر فيلم “تشارلي ومصنع الشوكولاته”، وهو فيلم أمريكي ينتمي للفانتازيا الكوميدية ويدور حول مجموعة أطفال في زيارة لمصنع للشوكولاتة والحلوى يمتلكه ثري غريب الأطوار، فيما قدرت بيانات منشورة بأن مجموع إيرادات هذا الفيلم بلغ 475 مليون دولار.
وفي بلد أوروبي آخر كأسبانيا تشكل الحلوى جزءا أصيلا من تقاليد الأسبان وثقافتهم بل إن أحد أنواع الحلوى يعد رمزا من رموز اسبانيا على مستوى العالم وهو “التشورو بالشوكولاته” حيث تزهو “قطع التشورو المصنوعة من دقيق القمح بالشوكولاتة الكثيفة.
وفي كتاب صدر بالانجليزية للمؤرخ المتخصص في تاريخ الغذاء؛ كين ألابالا، وعنوانه “قارئ تاريخ الغذاء: مصادر أساسية”، دراسة مشوقة لطقوس البهجة عندما يجتمع البشر معا لتناول الطعام كما يتحدث عن اتجاهات الثقافات المختلفة حيال الغذاء.
ويوضح كين ألابالا أن “الغذاء يساعد في تعريف الهوية”، فيما التاريخ الغذائي لمجموعة إنسانية ما يكشف الكثير عن ثقافتها، ويتوغل من منظور تاريخي ثقافي في ألوان الطعام لأرض الرافدين ومصر القديمة والإغريق والرومان وانجلترا في العصر الفيكتوري، محتفلا بحب الإنسان للطعام عبر الزمان والمكان.
ولا ريب أن “حلوى المولد” كمظهر من مظاهر البهجة، تعبر عن احتفال المصريين بالحياة، بقدر ما تشكل ظاهرة اجتماعية- ثقافية تضرب في أعماق تاريخهم منذ العصور الوسطى وتعبر عن الهوية في تجلياتها الثقافية الغذائية.
فحلوى المولد علامة ثقافية دالة على الهوية المصرية واحتفال المصريين بمولد نبي الرحمة، كما هو الحال في احتفالات عيد الميلاد وبداية العام الجديد في الغرب حيث تشكل “الديوك الرومي” عنصرا لا غنى عنه في موائد تلك الاحتفالات، كما أنها تدخل بعمق في الموروث الشعبي لثقافات الغرب وخاصة في الولايات المتحدة.
مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المحروسة
التراث الشعبي المصري حافل بمشاهد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مثل “زفة المحامل”، كما يحلو للبعض وخاصة في الريف الزواج في ذكرى المولد النبوي تيمنا بالذكرى العطرة، فيما تمتزج الفرحة بأصوات المنشدين، وكذلك تشكل هذه الساعات المباركة بروحانيتها الساطعة في الوجدان العام للمصريين أجواء مثالية لجلسات الصلح واستعادة الوئام بين المتخاصمين والمتنازعين على شيء من حطام الدنيا.
ولعل مظاهر الاحتفال بالذكرى العطرة لمولد خاتم الأنبياء تصل لذروتها في الأحياء القاهرية العتيقة التي احتفى بها الأدب المصري وأبدع في الكتابة عنها هرم الرواية العربية نجيب محفوظ وسلالة النجباء في الرواية المصرية الذين يدركون المغزى الثقافي لأسماء أماكن كالأزهر وبين القصرين وبيت القاضي وباب الفتوح ومسجد الأقمر بالجمالية.
ولئن ابتدع الفاطميون في مصر الكثير من أنواع الحلوى، فإن الكاتب الروائي والنائب البرلماني يوسف القعيد قد تطرق في سياق تفسيره للمقولة الشهيرة: “اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني” إلى كتب التاريخ التي تحدثت عن توزيع الحلوى على الأطفال من جانب أتباع الوزير جوهر الصقلي عند استقبال المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة؛ “حيث تم الربط بين جوهر الصقلي الذي بنى القاهرة وبين توزيع الحلوى”.
ويقول المؤرخ المقريزي في كتابه “الخطط” إن مصر منذ أن جاء الفاطميون في منتصف القرن الرابع الهجري تقريبا، وهي تموج في معمعة من الاحتفالات وصلت إلى نحو 30 احتفالا فيما تعلق الزينات والقناديل على المساجد والبيوت.
وفي قلب القاهرة المعزية وما بين الأزهر وشارع المعز تجمع كبير لمحال العطارة فيما يعرف بـ”حارة العطارين”، وهنا في وكالات ومتاجر العطارة تتردد مصطلحات مثل “عرق الحلاوة” الذي يطحن ويدخل في إعداد الحلوى.
اما في وسط القاهرة وما يعرف بـ”القاهرة الخديوية” ، فتتركز المحال الكبرى لبيع حلوى المولد وتسطع “عروسة المولد والحصان” بألوان مبهجة لتحسدها “تماثيل الشيكولاته وقطع الجاتوه” على اقبال الجمهور الذي تشكل “العروس والحصان” جزءا غاليا من ذاكرته المرتبطة بالاحتفال بمولد سيد الآنام.
وعروسة المولد باتت تأخذ أشكالا متعددة في السنوات الأخيرة ولم تعد قاصرة على “العروس الحلاوة”، فهناك العروس البلاستيكية المكسوة بالقماش والدانتيل وهناك العروس التي تتحرك بالبطاريات.
وإذا كانت عروسة المولد باتت تأخذ أشكالا متعددة، فمن الطريف أن يرصد البعض تأثير ثورة الاتصالات على مظاهر احتفالات المصريين في المولد النبوي الشريف وتغيير نغمات أجراس الهواتف المحمولة إلى أغان دينية ومديح للسراج المنير والرحمة المهداة للبشر أجمعين.
وبالطبع، فإن مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وتويتر والتطبيقات التقنية الاتصالية مثل “واتس اب”، تتحول في تلك الساعات المباركة إلى ساحة رحبة لتبادل التهاني بالذكرى العطرة.
وفي منطقة الدراسة ومحيط المسجد الحسيني، تحتفل مشيخة الطرق الصوفية بالمولد النبوي الشريف، فيما الدعاء لمصر من القلوب العاشقة للرسول الحبيب..إنها أرض الكنانة المحبة لنبي الرحمة وحبيب خالق الأرض والسماء.. سيدي يا رسول الله قلوبنا تنبض بحبك وتبتهج بذكرى مولدك الشريف.
«حلوى المولد» تراث شعبي أصيل لايعبأ بجدل المثقفين
الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف، صارت جزءا لايتجزأ من التراث الشعبى المصري، وظلت الغالبية العظمى من الشعب المصري متمسكة بإقامة هذه الاحتفالية، ولاتعبأ بجدل المثقفين، حيث يتم توزيع حلوى المولد التى
تأخذ أشكالا وصورا مختلفة عن غيرها من أنواع الحلويات.
ويعتقد الرافضون للاحتفالات الشعبية بالمولد النبوي الشريف ، الذي يوافق الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام هجري ، إنها بدعة لم تكن معروفة على عهد النبى صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدين، ولو كانت من النوافل او القربات لكان الخلفاء او الصحابة الاوائل قد سبقونا اليها. ويقول اصحاب هذا الراى إنه لا ينبغى أن تتحول أفراحنا الدينية إلى مجرد غناء وفولكلور وطعام وشراب وننسى جوهر المناسبة وهو الاقتداء بأخلاق النبى واتباع هديه وسنته.
أما المؤيدون للاحتفال بالمولد النبوى الشريف فيرون انها من علامات حب النبى صلى الله عليه وسلم لأن مولده خير ورحمة ونور لنا وللإنسانية قاطبة، وانها وان كانت “بدعة” فهى “بدعة حسنة”، بشرط أن لا تنتهك الحرمات ولا ترتكب المنكرات، وأن نتدارس سيرته العطرة ونتأسى بتعليماته واخلاقه.
ويرى أصحاب هذا الراي أن المسلمين اليوم في أشد الحاجة إلى مثل هذه المناسبة التى تذكرهم بالنبى صلى الله عليه وسلم ومراجعة سيرته العطرة والتأسى باخلاقه العظيمة خاصة مع كثرة الفتن وتعقيدات الحياة ومشاكلها التى تلهى المسلم عن كثير من واجباته الدينية والاجتماعية.
ويؤكد كثير من المشايخ والعلماء ان الاحتفال بادخال السرور على الناس من خلال اناشيد المديح للنبى صلى الله عليه وسلم وشراء اطايب الحلوى والطعام جائز شرعا، لأن الأصل في الأشياء هو “الحل”، وربط الحلوى والمديح بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم يرسخ في أذهان العامة والبسطاء والأطفال مشاعر جميلة فياضة تزيد من محبته في نفوسهم وتوقيره وتعظيمه.
ويحذر العلماء من استغلال المناسبة والمتاجرة بها لتحقيق مكاسب ومغانم شخصية أو نشر عادات وسلوكيات سيئة وارتكاب مخالفات ومعاصى تغضب الله سبحانه وتعالى، مشيرين الى ان ذنب مرتكب مثل هذه المخالفات يكون اعظم لانه استغل مناسبة دينية.
وتقام السرادقات الكبيرة كل عام في شهر المولد النبوي حول المساجد والميادين فى جميع أنحاء مصر، خاصة فى مساجد أولياء الله والصالحين كمسجد الإمام الحسين والسيدة زينب بالقاهرة، ومن مظاهر الاحتفال، القاء المنشدين أناشيد لمدح الرسول صلى الله عليه وسلم ويتم توزيع الحلوى واﻷطعمة على الفقراء واﻷهالى وأطفالهم، ومن أهم مظاهر الأحتفال شراء حلوى المولد والتى تكتسى اشكالا وصورا خاصة عند المصريين.
يذكر ان الفاطميين هم أول من صنعوا العروس من الحلوى فى المولد النبوى الشريف، وكانت تجمل بالأصباغ،
ويداها توضعان فى خصرها وتزين بالأوراق الملونة والمراوح الملتصقة بظهرها، ومنذ ذلك الحين أصبحت الحلوى من المظاهر التى ينفرد بها المولد النبوى الشريف فى مصر، حيث تنتشر فى جميع محال الحلوى والشوادر التى تعرض فيها ألوان عدة من الحلويات المميزة، إلى جانب لعب الأطفال “عروس المولد للبنات”، والحصان أو الجمل للأولاد، ولذلك تعتبر مظهرا أساسيا للاحتفال بالمولد.