مستشفى المجانين!! .. بقلم إيمان إمبابى

المكان: مسقط رأسى لمستشفى للأمراض العقلية ببقعة ما فى صحراء القاهرة الجديدة.. المستشفى مراقبة بشبكة من الكاميرات مثبتة فى زوايا متعددة بأسقف عنابر كبيرة.. تضم مجموعات متنوعة من البشر.. كل عنبر يضم مجموعة يوحدها الخلايا “العنقودية” الملتفة حول أنسجة المخ!!
الزمان: يومى التصويت فى الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية 2015 فى مصر
عنبر (1)
تجلس مجموعة من الرجال من أعمار مختلفة.. بعضهم يفترشون الأرض.. وأمامهم أجهزة “لابتوب” مفتوحة على صفحات التواصل والمواقع الإلكترونية التابعة لهم.. وبعضهم ممددين على الأسرة محملقين فى جهاز تليفزيون معلق على حامل أعلى الحائط المواجه لهم.. بضع سجادات للصلاة متناثرة على الأسرة وعلى الأرض.. وفى زاوية مجموعة من الشارات المتراكمة.. لكف يد ذا إبهام طائر على خلفية صفراء.. الجميع يرتدون الجلابيب, من على الأرض ومن على الأسرة.. معظمهم بدناء منتفخين داخل تلك الجلابيب.. يتفاوت حجم لحاهم بين لحية “بن لادن” ولحية “محمد بديع” فى آخر مشهد رأوه فيه.. مرتديا النقاب هاربا من بؤرة رابعة المسلحة.. بقايا طعام على الأسرة.. وبقايا طعام على الأرض.. العيون كلها شاخصة فيما أمامها.. ثم يبدأ النقاش فى محاولة لأخذ استراحة من متابعة الشاشات.. النقاش هو احتفال أكثر منه تحليل أو محاولة للفهم.. أهم ما خرج من الاحتفال الكلامى هذا.. السعادة الطاغية بالاستجابة لدعوات المقاطعة التى تبنوها.. وهو دليل على انهيار شعبية “العسكر”.. وأن “الانقلاب يترنح”.. وهى بالمناسبة جملة ابتدعوها بعد ثورة 30 يونيو مباشرة.. وظلوا أكثر من عامين يرددونها.. حتى مللوا هم أنفسهم منها فكفوا عن ترديدها.. ولكن أما وإن الإقبال على التصويت كان 1% كما رأوا.. فقد آن لهم أن يحتفلوا!!
عنبر (2)
العنبر مزدان فى معظمه ببعض البوسترات والصور للينين وستالين وتروتسكى.. ملقى على الأرض الشال الفلسطينى الشهير ذو المربعات السوداء.. ويسمى فى أرض بيت المقدس “حطة”.. مجموعة من الشباب يرتدى معظمهم “شورتات” قديمة مهترئة.. و”تيشيرتات” بألوان متنوعة.. أحدهم يرتدى شورتا قصيرا يقرب للمايوه ولا يرتدى فوقه شىء عار الصدر.. غير حليقى الذقون.. فلا تستطيع تحديد إذا كانوا يعتزمون إطلاقها.. أو أن الأمر لا يعدوا أن يكون سهوا لشهر أو أكثر عن حلاقتها.. حوار دائر بين من يجلسون على الأرض ومن يجلسون على الأسرة.. يعتقد من يشاهده أنه بوادر عراك قد يصل للاشتباك.. لكنه لا يزيد عن حوار على الطريقة “الثورية”.. لا مانع من بعض الفاظ نابية يعاقب عليها القانون بتهمة السب.. أو دفعة هنا بالأرجل.. وهناك بالأيدى.. لكنه لا يزيد عن كونه حوار!!.. سعادة طاغية بالإحجام عن المشاركة فى الانتخابات.. إستجابة من الشعب لدعواتهم الفيسبوكية لثورة ثالثة ضد “قمع العسكر”.. إحدى الصفحات الإلكترونية مفتوحة على “تويتر” للتواصل مع “مرشدهم الروحى”.. القابع فى “فيينا”.. وأخرى مفتوحة على “قائدهم الميدانى” المستقر فى القاهرة.. فقد دقت ساعة العمل الثورى على الفيس بوك.. الثورة الثالثة على الأبواب.. والغليان يملأ الصدور.. وفجأة انتفض هذا العارى واقفا: “استنوا كدة.. سامعين الأصوات دى؟”.. صمت الجميع مرنبين آذانهم.. فتابع ذلك الواقف: “الجماهير خرجت للشوارع والميادين.. سامعهم اهه.. صوتهم بيقرب اهه”.. ثم ظل يقفز فى مكانه صارخا بأعلى صوته.. مهللا ضاربا قدميه فى الأرض.. لم تسكته سوى طرقات على الجدران من عنبر (1).. مصحوبة بصوت زجر متحشرج.. تكوم العارى فى زاوية الغرفة.. بينما صمت الجميع!
(طبعا لم يكن الصوت سوى رياح رملية قادمة من الجهة الأخرى للبحر الأحمر.. تضرب الصحراء فى منطقة المستشفى)!!
عنبر (3)
مجموعة من الشيوخ.. كل يرتدى نظارته الطبية ويمسك كتابا يضع وجهه داخله.. بينما يجرى حوار بارد مع من حوله.. يرتدون ألوانا متنوعة من بيجامات قطنية مخططة طوليا.. حوارهم هامس تقريبا.. بطىء إلى درجة الملل تقريبا.. غير متماسك بالمرة تقريبا.. لو سمعهم أحد نزلاء العنابر المجاورة.. فلن يفهم شيئا!!.. رفع من يعتبرونه جهبذا فارسا من فرسان الليبرالية وجهه عن الكتاب قائلا: “قلت لكم.. ليس لديه رؤية.. العسكر لا يفهم فى السياسة.. سوف يقضى على البلد”.. قاطعه فجأة بصوت جهورى إعلامى متقاعد.. يرتدى جلبابا قطنيا مخططا طوليا باللون الأخضر.. يعتمر طاقية من نفس لون الجلباب.. يجلس على الأرض مادا قدميه أمامه.. يعانى انتفاخا فى الأمعاء.. يتنفس بصعوبة.. بينما أمامه “سلطانية” كبيرة من الألومنيوم.. بها بقايا “كشرى”.. بينما بقايا “التقلية” و”الصلصة” متناثرة على الأرض حوله.. يرتدى نظارة طبية ملوثة ببقايا “الصلصة”.. ظل يتحدث فيهم لما يقرب من ساعة.. فهو لا يمل الحديث.. عن الأزهر والوهابية وحازم الببلاوى وابراهيم محلب وأشياء لا ارتباط بينها.. بعضهم غلبه النوم فنام مرتديا نظارته.. دافنا وجهه فى الكتاب.. وبعضهم لم ييأس على مدار الساعة من خطف الحوار.. فى محاولات يائسة إنتهت بعودة الإعلامى نفسه إلى طبق الكشرى مرة أخرى!!.. بينما من ظل باقيا على قيد الحياة لم يغلبه النوم.. متبرم ممتعض مكفهر من السيسى.. على سبيل الاحتياط!!
إيمان إمبابى