لن تُمكّن قبل أن تُبتلى | بقلم د. آيات الحداد

ما جعلني أكتب هذا المقال في أننا اليوم نتعرض للعديد من الابتلاءات والإمتحانات باختلاف أنواعها وأشكالها، البعض لا يعرف هل هذا ابتلاء أم بلاء؟! ، هل هذا غضب من الله أم رضا، البعض يسأل نفسه لما يحدث له ذلك، ومن يسأل نفسه هو من يهمه الله، ويراجع حساباته من أجل اليوم الحق الذي يقابل فيه الله ويسأل نفسه عقب أي خطأ ماذا سأجيب الله يوم القيامة عندما يسألني لماذا فعلت هذا ؟! فأردت أن أبحث عن إجابة من كتاب الله والرجوع إلى معاني كلامه وتفسيرها الصحيح والاسترشاد بقصص الأنبياء وما حدث معهم ليكونوا عبرة دائمًا لنا، فجميع الرسل والأنبياء تعرضوا لامتحانات عدة ومن يتمعن يجد أن كلًا منّا تعرض لِما تعرض له الأنبياء باختلاف أنواع الابتلاء، ولكن الفيصل هو كيفية التعامل مع الابتلاء، فهناك من فَقَدَ أبناءه، وهناك من تعرض لغدر من أقرب الناس إليه، وهناك من اتُّهم ظُلما وسُجِنَ ظُلما، وهناك من تحدث الناس عنه بسوء وهناك من اُبتلي بابن عاصٍ، أو زوجة عاصية، أو زوج عاصٍ، أو أب عاصٍ ، فالثواب على قدر المشقة، وقال الله تعالى “أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ البقرة “214”
” أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ “. الأنبياء “2”
فجميع الرسل والأنبياء تعرضوا للابتلاءات وللعديد من الامتحانات، فتعرض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لامتحان الضعف ونجح فيه وقال:” إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي “، وتعرض لامتحان القهر كذبوه وسخروا منه وأساءوا إليه فقال: ” اللهم اهدي قومي إنهم لا يعلمون “، امتحن امتحان القهر فصبر، وامتحن امتحان النصر فتواضع، وامتحن امتحان الفقر فصبر، امتحن امتحان الغنى فشكر، امتحن بموت الولد، وامتحن امتحان الظلم في حادث الإفك، وانقطع الوحي عنه 40 يوما فصبر، امتحن امتحان الهجرة، وامتحن بكيد الأعداء وافتعلوا المؤمرات عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لقـد أوذيـت في الله، ومـا يـؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحـد، ولقد أتـت علـي ثلاثـون، مـن بين يوم وليلة، ومالي ولبـلال طعام، يأكلـه ذو كبد، إلا شيء يواريه إبط بلال “.
كما تعرض سيدنا إبراهيم للعديد من الامتحانات،“، فَأُلقي في النار فوثق في الله، اُمر أن يضع ولده وزوجته بوادِ غير ذي زرع فأودعهم، أمره الله أن يذبح ابنه فأطاع أمر الله.
وابتلي سيدنا نوح في ابنه، وتعرضت السيدة مريم لامتحان ايضًا فصبرت، وتعرض سيدنا يوسف لعدة امتحانات من إلقاء أخوته في البئر، لبيعه كعبد، لإغواء امرأة العزيز،والسجن ظلما.
وسيدنا أيوب تعرض أيضًا للعديد من الامتحانات بعد أن أنعم عليه الله بالعديد من النعم سلبها منه فصبر، ثم أرجعها إليه مرة آخرى. سيدنا موسى ابتلي بقومه، سيدنا يعقوب امتحن في ابنه يوسف، ابتلي سيدنا لوط بزوجة عاصية.
وتحدث الله سبحانه وتعالى في مُحكم كتابه عن الإبتلاء فقال:” وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ “. البقرة “155” وايضًا ذُكر لفظ ابتلاء في العديد من المواضع “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ” المؤمنون “30”. فالابتلاء لحكمة ما ستعلمها بعد مرور الوقت، لكل شئ حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، لا مانع لما أعطيت، ولا معطٍ لما منعت، فكل شئ يفعله الإنسان هو من إلهام الله له.
الحياة الدنيا ابتلاء أي إظهار ما تنطوي عليه النفس، فحقيقة الحياة الدنيا أنها دار إلتواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعًا عاجلًا ام آجلًا أننا آتينا الى الدنيا لنبتلى، فلو تمعنا في حياتنا اليومية سنجد أننا نبتلى 24 ساعة، أي نتعرض في كل يوميًا لمواقف عدة من مضايقات أثناء العمل لاختبار مدى أمانتك، مدى صدقك مع الله، وأيضًا نصادف أناسا كثيرين يختبر الله مدى صدق إيماننا، وكيف نتصرف إزاء الامتحانات التي نتعرض لها، حتى المنح والعطايا ابتلاء، ولا نعلم بأن الابتلاء مرتبط بالرزق ارتباطا طرديا فكلما زاد رزقك زادت الابتلاءات، أي توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء على عكس من ذلك توزيع الحظوظ في الآخرة توزيع جزاء، والعبرة ليست أن ننجو من الابتلاء ولكن ننجح فيه، فالجميع يتعرض لابتلاءات ولا تظن أنك وحدك مُبتلى، ولكن ما يفرق ما بين البعض والبعض الآخر رد الفعل إزاء تلك الابتلاءات، وبالتالي من ينجح فيه ومن يرسب ! فلكي تخفف من وقع الإبتلاء عليك تذكر أنه مؤقت وأن الله لا يكلف نفسًا الا وسعها وتمعن في حكمة الإبتلاء.