آراءشويّة دردشة

عندما صمتت شبرا| بقلم العميد محمد محمود فؤاد

عقارب الساعة تشير إلى السابعة إلا عشر دقائق مساءاً في أول أيام حظر التجوال (الصحي) السماء والأجواء تكتسيان باللون الرمادي ذو الدرجة الفاتحة ونسمات هواء باردة خفيفة تمر بين عمارات شبرا القديمة منها والجديدة والصمت يلف المكان كله .. الشوارع خالية من المارة قبل السيارات والمركبات، وأهمها التوك توك تلك الخنفساء شبة المكورة التي تصدر أصواتاً عجيبة بمحركها الصغير والأغاني التي تصدرها والناس تطل من الشرفات فضولاً وتساؤلاً ” هو اللي بيحصل ده بجد.. معقول ؟! إيه ده ؟! ” وهناك من يتحدث مع جاره بصوت مسموع عن أنه كان لا يتصور أبداً أن يأتي اليوم على شارعه أن يكون بهذا الهدوء ويتبادل الجيران الأحاديث عبر الشرفات.

وبالطبع الأطفال الصغار كان لهم النصيب الأكبر في تلك الحالة الجديدة عليهم والعجيب شأنها حيث يبدوا أن حالة الصمت أعجبتهم وبدأوا ينادون على بعضهم البعض بأصوات عاليه وأحياناً بحروف مبتورة وتصمت الأصوات بسبب نهر الوالدين أو الكبار .. دقائق معدودة من الإندهاش وربما القلق والأحاديث المتبادلة خلت بعدها الشرفات من المطلين منها وأزداد الصمت صمتاً و لأول مرة تصمت شبرا الصاخبة.

أعمدة الإنارة يشع ضوءها على شوارع خالية وصوت الهواء مسموع إلا أنه ينقل أحياناً ضحكات عالية أو مشادات سريعة لسبب غير مفهوم بين أخوين أو صراخ طفل بسبب رفض أحد مطالبه التي يرى هو أن لا بد أن تُجاب أو صوت محرك سيارة مارة على إستحياء والأغلب دائماً صوت سيارة الشرطة أثناء مرورها ليطمئن راكبوها أن كل شئ على ما يرام.

وفجاءة يظهر بعداً جديداً في المشهد يضاف إلى الصورة ثلاثية الأبعاد في هذا المكان ليخلق صورة مضاف إليها بعداً آخر في هذا المشهد المهيب وهو البعد الخاص بالرائحة حيث أنه بعد ساعتين أو أكثر من بدء الحظر بدأ الهواء ينقل رائحة الفيشار والكيك ومنتجات أخرى للمطابخ المنزلية لتبدأ معها أمسية ملؤها أحاديث عائلية غابت لفترة ليست بالقصيرة.

فالشباب العشريني كان ملتقاه المقاهي والسهر الطويل غير المبرر والآباء جلوساً أمام التلفاز يقطعون صمت المشاهدة بكلمات عابرة عما يشاهدونة أو ربما احد أحداث اليوم أما الأجداد فالتواصل معهم كان من خلال التليفون المرئي أو المسموع أو قضاء يوم معهم أو بعض يوم .. ولكن ذلك كله تغير بين يوم وليلة وربما كان الناس ينتظرون حدثاً جللاً كالتهديد الخطير الذي يمثله فيروس كورونا ليتذكروا دفء العائلة.

و رويداً رويداً يزداد الصمت صمتاً وفجأة بعد الثانية عشر من منتصف الليل يخرج الطفل صارخاً من النافذه ” إصحوا .. هو انتم ساكتين كدة ليه ” لتستمع إلى ضحكات تأتي من الشقق التي لا تزال مضيئة بأنوار دافئة بدفء العائلة في ذلك الشارع الواسع العريض.

وهكذا صمتت الشوارع وعلقت شبرا رداء ضجيجها إلى حين .. ولكن على الرغم من أن كورونا جعل الشوارع صامتة ولكنه جعل البيوت أكثر دفئاً ..حفظ الله بلادنا من كل شر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى