«ذي إيكونوميست» تحلل ما وراء جنون ترامب الجمركي

قرر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب أن يكتب فصلاً جديدًا في كتاب “العبقرية التجارية”، عنوانه العريض: الرسوم أولًا، والعواقب لاحقًا.
فبإعلانه عن موجة جمركية كاسحة تضرب شركاء أمريكا التجاريين من كل صوب، لم يكن الرئيس الأمريكي يعيد اختراع العجلة، بل يعيد أمريكا إلى عصور سابقة ظنّ كثيرون أنها انتهت، حين كانت السياسات الانعزالية تقود إلى الانكماش وليس الازدهار.
بحسب تحليل لمجلة «ذي إيكونوميست» الأمريكية، فإن سياسات ترامب هذه ليست فقط صدمة لـ الأسواق التجارية، بل تخريب مُمنهج لركائز الاقتصاد العالمي التي بنتها أمريكا نفسها بعد الحرب العالمية الثانية.
ووفقًا لمجلة «ذي إيكونوميست»، فترامب، الذي لا يُخفي إعجابه بزمن ما قبل العولمة، يعيد الآن بعنجهية تشكيل النظام التجاري الدولي، مُتجاهلًا دروس الانهيار الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، حين ساهم قانون “سموت هاولي” للتعرفة الجمركية في تعميق الكساد الاقتصادي وجرّ العالم إلى حافة الكارثة.
والأكثر خطورة أن المعدلات الجمركية التي طرحها دونالد ترامب، والتي تصل إلى 65% على الصين و34% على الهند و20% على الاتحاد الأوروبي، تفوق بكثير المعدلات التي فرضتها الولايات المتحدة حتى خلال حروبها التجارية الأشد.
وبحسب المجلة الأمريكية ذاتها، فهذه السياسات تعني، ببساطة، أن أمريكا تختار أن تُحارب كل حلفائها في وقت واحد، متخلية عن أداة التحالف من أجل استراتيجية “أنا أو الطوفان”.
وفي العمق، لا يتعلق الأمر فقط بالرسوم الجمركية الأمريكية، إنها رؤية ترامب لـ الاقتصاد الأمريكي كساحة معركة صفرية، «حيث لا معنى للربح المتبادل، بل فقط للهزيمة والإذلال».
والسؤال الآن… هل تتحمل أمريكا، التي تقود سلاسل توريد معقدة وتعتمد على الاستيراد الصناعي عالي التقنية نتائج هذا الجنون الجمركي؟ أم أن العالم سيشهد بداية تآكل دور الدولار والاقتصاد الأمريكي معًا، ليس بفعل المنافسين، بل بسبب قرارات من داخل البيت الأبيض نفسه؟
في لحظة وصفها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بأنها من “أعظم الأيام في التاريخ الأمريكي”، أعلنت الولايات المتحدة خطوة تعتبرها بكين وبروكسل وطوكيو يومًا أسودًا.
وبقدر ما يبدو الوصف مُبالغًا فيه، إلا أنه لم يكن بعيدًا عن الحقيقة، بعدما تخلّت أمريكا فعليًا عن النظام التجاري العالمي الذي ساهمت في بنائه، واعتنقت سياسة حمائية تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، أما السؤال الذي يشغل عواصم العالم الآن، فهو: «كيف يمكن احتواء الأضرار الناجمة عن هذا التحوّل الأمريكي»؟
منذ بداية الأسبوع، ملأ ترامب خطاباته بادعاءات تاريخية واقتصادية مُضللة، في مقدمتها تمجيدُه لحقبة القرن التاسع عشر، حين كانت الرسوم الجمركية الأمريكية مرتفعة وضرائب الدخل شبه معدومة، لكن الحقيقة، بحسب الأبحاث الأكثر دقة، أن تلك الرسوم خنقت الاقتصاد الأمريكي آنذاك ولم تكن عامل ازدهار.
أما الكارثة الأكبر، فتمثلت في تفسيره للكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث زعم أن رفع الرسوم الجمركية الأمريكية تأخر كثيرًا لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي، لكن الواقع أن قانون “سموت هاولي” الشهير تسبب بتفاقم الأزمة الاقتصادية آنذاك، «تمامًا كما يُتوقع أن تؤدي سياسات ترامب الحالية إلى تقويض النمو العالمي».
يدّعي الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة ضرورية لسد العجز التجاري الأمريكي، معتبرًا إياه “سرقة صافية للثروة الوطنية لصالح الأجانب”.
لكن اقتصاديي الإدارة أنفسهم يعلمون أن العجز التجاري الأمريكي ليس نتيجة ممارسات خارجية، بل لأن الأمريكيين ينفقون أكثر مما يدخرون.. ومن المدهش أن هذا العجز لم يمنع الولايات المتحدة من قيادة مجموعة السبع اقتصاديًا على مدى العقود الثلاثة الماضية.
أما سعي ترامب لتوازن تجاري فردي مع كل دولة، فهو ببساطة غير منطقي؛ أشبه بمطالبة ولاية تكساس بتحقيق توازن تجاري مع كل ولاية أمريكية أخرى، أو بأن يُجبر كل مورد على أن يكون زبونًا في الوقت نفسه، بحسب تحليل مجلة «ذي إيكونوميست».
أما على المستوى التقني، فإن الفهم التفصيلي للرئيس الأمريكي بدا ضعيفًا إلى حد مثير للقلق، فقد تحدث عن فرض رسوم بناءً على معايير مثل التلاعب بالعملة أو الضرائب غير المباشرة، لكنه في الواقع اعتمد على صيغة عشوائية تقريبًا: نسبة العجز التجاري الثنائي لأمريكا مقارنة بوارداتها من كل دولة، تُخفض إلى النصف ثم تُحوّل إلى رسم جمركي.
ولتبسيط الأمر، هذه الطريقة أشبه بفرض ضرائب بناءً على عدد حروف العلة في اسم الدولة! منهجٌ لا يعتمد على منطق اقتصادي راسخ بقدر ما يعكس ارتجالًا في صياغة السياسات.
وفقًا لمجلة «ذي إيكونوميست» الأمريكية، النتيجة المباشرة لسياسات ترامب الجمركية، هي ضرر لا مبرر له سيتكبّده المواطن الأمريكي أولًا.
و ستتقلص الخيارات، وسترتفع الأسعار، والمصنّعون المحليون سيفقدون ميزتهم التنافسية بعد أن يُجبروا على دفع المزيد مقابل قطع الغيار، دون أي حافز لتحسين الإنتاج في ظل غياب المنافسة الأجنبية.
ولم تنتظر الأسواق طويلًا حتى تعكس هذه المخاطر؛ فأسهم شركة “نايكي”، التي تعتمد على مصانع في فيتنام وتخضع الآن لتعريفة 46%، هوت بنسبة 7%.
بحسب «ذي إيكونوميست»، ما يحدث داخل أمريكا لن يبقى محصورًا فيها، فالعالم بأسره سيتأثر، والخطر الأكبر هو في «كيفية الرد».
صحيح أن هناك من يدعو إلى الرد بالمثل، لكن هذا خيار محفوف بالمخاطر، فـالحروب التجارية غالبًا ما تؤذي البادئ بها أكثر من خصومه، وقد تدفع ترامب إلى المزيد من التصعيد بدلاً من التراجع، وهذا السيناريو قد يعيد العالم إلى مأساة الثلاثينيات الاقتصادية حين أدت سياسات الانتقام التجاري إلى تفاقم الكساد الكبير.
بدلاً من الانجرار وراء سباق حواجز الرسوم الجمركية الأمريكية، على العالم أن ينتهج إستراتيجية أكثر حكمة، وهي: تعزيز التجارة البينية، خصوصًا في قطاع الخدمات الذي يُشكّل محرك اقتصاد المستقبل.
فاليوم، أمريكا تُهيمن على المال والسلاح، لكنها لا تُهيمن على التجارة العالمية كما قد يتصور البعض، حيث إن حصتها من الطلب النهائي على الواردات لا تتجاوز 15%.
وبحسب تقديرات مركز «جلوبال تريد أليرت»، حتى لو أغلقت أمريكا حدودها بالكامل، فإن أكثر من 100 دولة تجارية ستتمكن من تعويض صادراتها المفقودة خلال خمس سنوات فقط.
كما أن الاتحاد الأوروبي، ودول اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، وكوريا الجنوبية، واقتصادات منفتحة كالنرويج، تُشكل ما يزيد عن ثلث الطلب العالمي على الواردات.
وفقًا لمجلة «ذي إيكونوميست»، فرغم أن الكثيرين في الغرب يتهمون الشركات الصينية المملوكة للدولة بخرق روح التنافسية، إلا أن إقصاء الصين بالكامل قد يؤدي إلى إغراق الأسواق العالمية بسلع فائضة بعد فقدان السوق الأمريكي.
وربما الحل، بناء نظام تجاري مع الصين يُلزمها بإعادة توازن اقتصادها نحو الطلب المحلي ويقلل من مخاوف الإغراق.
وقد تُطلب منها نقل التكنولوجيا والاستثمار في أوروبا مقابل خفض الرسوم، وهو ما يستدعي من الاتحاد الأوروبي توحيد قواعد الاستثمار وتجاوز تردده تجاه اتفاقيات كبرى، مثل الانضمام إلى CPTPP، التي توفر آليات لحل النزاعات.
نعم، كل هذه الخطط البديلة تبدو معقدة وبطيئة التنفيذ، لكن هذا هو طبيعة التكامل التجاري الحقيقي: «صعب ومتدرج لكنه مستدام».
أما ما فعله دونالد ترامب، فهو الأسهل دومًا: «تخريب ما بُني خلال عقود بلحظة تهوّر واحدة»، وما لا يجب القبول به، هو أن يُكتب النصر لـ “غباء” قراراته، حتى وإن كانت الفوضى قد وقعت بالفعل، وفقًا لتحليل مجلة «ذي إيكونوميست».