بناء الانسان يعقبه بناء المجتمع | بقلم د. ايات الحداد

ذَكّرّ سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي امس الموافق 2 يونيه اثناء أداء القسم أن المرحلة القادمة ستشهد بناء الانسان المصري على أساس شامل ومتكامل بدنيًا وعقليًا وأضيف عليه نفسيًا، فمن أهم دروس حرب أكتوبر ان العنصر البشري هو الأهم، فهو الذي يصنع الفارق بكل المقاييس! فنحن اليوم نتجاهل العامل النفسي للمواطن المصري ولا ندرك ان سبب مشاكلنا كلها تندرج تحت العامل النفسي، فكل ما يحدث من عرقلة في اي مؤسسة او تجاوز او عيوب سببها يرجع الى العامل النفسي للموظف، فلِما لا يكون في كل مؤسسة ايا كانت حكومية، خاصة مدرب تنمية بشرية او ما يطلق عليه البعض دكتور نفساني؟ فهو أمر ليس بعيب، بل هذا علم يُدرس في جميع الدول اولئك الذين يمارسون الطب النفسي في أماكن العمل يسموا الأطباء النفسيين المنظميين والمهنيين في الولايات المتحدة (علم النفس المهني)، الأطباء النفسيين الذين يعملون في قاعة المحكمة لتقديم التقارير إلى القاضي وهيئة المحلفين في القضايا المعروضة على المحاكم الجنائية والمدنية يسموا (الطبيب النفسي الشرعي)، ايضًا يعالجون المجرمين المختلين عقليًا والمرضى الآخرين الذين تفرض حالتهم ان يعالجوا في وحدات آمنة.
فنحن نعلم تمام العلم أن كلٍ منّا في مجاله يتعرض لضغوط نفسية ايا كانت نوعها سواء تمثلت في العمل او البيت او غيره، من الممكن ان تؤثر على انتاجية المواطن ونفسيته، وبالتالي تؤثر على تعاملاته مع المواطنين ثم يتطور الأمر الى ان يؤثر على الانتاج القومي اي يؤثر سلبًا على الدولة، فإذا ذهبت الى اي مؤسسة سواء حكومية او خاصة ستجد الموظف عبارة عن طاقة سلبية جالسة على الكرسي ثم تتنتقل تلك الطاقة الى كل عميل يأتي للتعامل مع تلك المؤسسة ثم تؤثر سلبًا على عمل المواطن وفي النهاية على الدولة، فإذا بدأت كل مؤسسة بتعين مدرب للتنمية البشرية بل من شروط تعيين اي مواطن في اي مكان ان يخضع لاختبار تنمية بشرية قبل التعيين، ويتم تعميمه على كل الوظائف في مصر ولا استثني احد، فكلنا بشر يتعرض لضغوط بل بعض الوظائف كالقضاء والشرطة اكثر من يحتاج لذلك لتعاملهم الدائم مع المجرمين بمختلف اشكالهم ولتعرضهم لضغط نفسي من الممكن ان يؤثر سلبًا عليهم، كما أن حياة البعض بين ايديهم ومستقبلهم متعلق بكلمة منهم!
فكم أتمنى ان تخطو الدولة المصرية خطوة هامة في تعميم ذلك الاقتراح، ويكون على مرحلتين: مرحلة الوقاية وتتمثل في إضافة مادة التنمية البشرية للطفل حتى مرحلة الجامعة، ثم عند التقديم على اي وظيفة يخضع المتقدم لاختبار نفسي وتأهيل نفسي ويشمل ذلك جميع الوظائف كما ذكرت مًسبقًا، ثم مرحلة العلاج وهو وجود دكتور تنمية بشرية في كل مؤسسة لتأهيل ومعالجة الموظفين وحتمًا سيعود ذلك بإيجابية على المواطن والدولة، لان المواطن جزء من الدولة واي تأثير ايجابي او سلبي سيعود حتمًا على الدولة ويؤثر بطريقة تلقائية على الانتاج والعمل، وعندما يحدث ذلك أستطيع القول بأن مصر على الطريق الصحيح وأنها في طريقها إلى أن تصبح دولة متحضرة قبل أن تكون متقدمة ولا ننسى بأن سبب هدم أي دولة بسهولة هو وضع الشخص الغير مناسب في المكان المناسب والعكس.
وأتذكر في هذا الحديث ماحدث عقب سقوط الاتحاد السوفيتي كرمت المخابرات الامريكية عميلها الروسي وكان يشغل منصب وزير الخدمة المدنية في موسكو، سأله ظابط في المخابرات الروسية : أنا كنت مسئول عن مراقبتك لم أجد لك علاقة مع المخابرات الامريكية، ولا تواصل، ولا مراسلة، فكيف خدمتهم؟! قال: كنت أعين كل خريج في غير تخصصه! في غير مجاله! واشجع على ترقية الاغبياء الى الاعلى مع دعاية إعلامية لهم، وأحوّل دون صعود الكفاءات بإختراع نقص الشروط حتى تبقى في رأس الدولة العجائز والقدامى والاغبياء الجدد!، فأصيب الإتحاد السوفيتي بالإفلاس الفكري وسقط!.
فعندما يوّكل الأمر إلى غير آهله يكون الإنهيار حتميًا! ذكرت تلك الواقعة ليعلم الجميع أهمية ما أتحدث عنه وبأن المؤامرات ليست فقط التي تأتي من الخارج بل المؤمرات الأشد خطرًا ما تُنتج في الخارج ويتم تنفيذها بالداخل بيد أبناءها ولا يشعر بها أحد فهي كالحقنة التي يتم إعطائها للشخص للخلاص منه عن طريق تعطيل جميع أجهزة الجسم أي الموت ببطيء.