1956 !! .. بقلم إيمان إمبابى

القاهرة 26 يوليو 1956..
مشهد (1) ليل داخلى.. فيلا – أوقصر – مجموعة كبيرة من الرجال يبدو من زيهم أنهم من طبقة ارستقراطية.. يجلسون فى ردهة واسعة فى قمة تركيزهم يتابعون راديو ضخم على ترابيرزة عالية..
كان جمال عبد الناصر الزعيم الراحل.. يلقى خطاب تأميم قناة السويس فى ميدان المنشية .. بينما أولئك المجتمعون يلفهم الصمت, تسجل آذانهم كل كلمة قالها.. وفور انتهاء الخطاب علت ضحكاتهم فقد ارتكب الرجل غلطة عمره.. تحدى بريطانيا العظمى!!.. وعلى الفور بدأوا فى ترتيب خطواتهم.. كانوا يوزعون المناصب ويشكلون الوزارة ويسجلون كل ما سحب منهم من أراضى وممتلكات ومكاسب.. يمنون أنفسهم باستعادتها بعد تحرك بريطانيا العظمى.. أولئك كانوا طابورا خامسا يشكل ظهيرا للمستعمر.. أولئك كانوا حينها خنجرا مسموما فى ظهر الوطن.. أولئك لا تعنيهم الأوطان.. وطنهم هو المال.. وحياتهم مع من يضمن لهم الوجود.. حبلهم السرى خارج مصر!!
القاهرة 29 اكتوبر 1956..
مشهد (2) ليل داخلى.. نفس الفيلا – أو القصر – نفس المجموعة من الرجال يجلسون فى نفس البهو.. يتابعون عبر نفس الراديو البيانات العسكرية المذاعة عن العدوان الثلاثى على مدن القناة..
كان الرجال والنساء فى مدن القناة مستنفرين يشكلون ظهيرا للجيش المصرى المستبسل فى الدفاع عن الوطن.. بينما أولئك فى القاهرة يتبادلون الأنخاب.. فقد فعلتها بريطانيا العظمى.. تدخلت لتأديب من يخرج عن الطريق المرسوم.. كان حديثهم الساخر يتمحور فى أن الرجل – ناصر – قد جن.. كيف يجروء على هذا التحدى.. أى استقلال ذاك الذى يريده.. نحن نتنفس برئتى بريطانيا العظمى.. كيف نحيا بعيدا عن يدها الممتدة عبر الشرق.. فى هذه المرة كان أولئك يرتبون أمر سفر أسرهم للخارج.. بينما هم سيظلون فى الداخل, فى انتظار إشارة من التاج البريطانى لتولى أمور البلاد.. أولئك كان بينهم متسلقى الطبقات الدنيا.. وكان بينهم صحفيون أيضا.. ظلوا يتابعون وينتظرون اللحظة الحاسمة!!
القاهرة 6 نوفمبر 2015..
مشهد (3) نهار داخلى.. اماكن متعددة فى بعض المدن المصرية.. شاشات كومبيوتر وأجهزة لابتوب.. يجلس أمامها بشر متعددى الاتجاهات والأعمار.. معظمهم من الشباب.. يتابعون تصريحات بريطانيا العظمى وتابعيها لإجلاء رعايها من شرم الشيخ.. على مواقع التواصل الاجتماعى فيس بوك وتويتر.. تتطاير ألفاظ السخرية من الرئيس والدولة والمصريين.. كما تتطاير دعاوى بضرورة رحيل الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.. بينما أكثر الأحاديث كوميدية كانت عن الاستعداد للعودة للميدان لثورة جديدة فى 25 يناير 2016.. مطالبات بالتدخل العسكرى الدولى فى سيناء ومنطقة القناة.. ومطالبات بإقالات جماعية فى صفوف الجيش والشرطة والقضاء (وماتعرفش ليه القضاء).. أولئك الجالسين أمام شاشات الكومبيوتر, منهمكين فى كيل السباب للدولة المصرية.. دون أن تدرى سببا لذلك.. مقررين بحسم أن ما حدث للطائرة الروسية عمل إرهابى.. ولا نية لديهم على الإطلاق لقبول أى شىء آخر.. وهم على سبيل الاحتياط يشككون فى اللجنة التى تجرى تحقيقا فى الأمر.. وبما أنه عمل إرهابى فالسيسى هو المسئول وعليه أن يرحل!!
أولئك ممن يعيشون تحت شعر أشعث متكاثر لم يطله الماء منذ أسابيع.. ولحى مستطيلة لم تمسها آلة حلاقة منذ شهور.. فخورين “برائحتهم” التى نجمت عن مقاطعتهم عملية الاستحمام منذ زمن طويل.. يمدون أيديهم صباح كل يوم.. يتلقون مصروفا, قليلا أو كثير, من أهل لا يعلمون عنهم شيئا.. يشهرون سلاحا لوذعيا ضد وطنهم وضد مجتمعهم يسمونه “سلاح الشباب”.. نحن الشباب.. جملة باتت تشكل إرهابا من نوع آخر لوطن ظل يستجدى رضاهم طوال السنوات الخمس الماضية.. “سلاح الشباب” الذى تغذيه بريطانيا العظمى وربيبتها أمريكا.. ويبدو أن لحظة كسر نصل هذا السلاح قد حانت!!
القاهرة 6 نوفمبر 2015..
مشهد (4) ليل داخلى.. نادى خاص مغلق على أعضائه.. صالون أنيق فى بهو فخم يتشع لما يزيد عن 100 شخص.. مجموعة من رجال الأعمال تجاوز معظمهم 60 عاما.. مصطحبين مجموعة من مرافقيهم الدائمين فى كل مكان.. صحفيين وكتاب وساسة.. هم صناعة محلية حصرية لرجال الأعمال هؤلاء.. بعضهم يتناول مشروبات ساخنة, أو باردة.. وبعضهم يمضغ بعصبية مبسم نارجيلة تستقر إلى جواره.. ينفث سحابات دخانها بلا وعى, فتنتشر وتتوغل لتغطى رؤس الحاضرين..
فقد فعلتها بريطانيا العظمى.. تدخلت لتأديب من يخرج عن الطريق المرسوم.. كان حديثهم الساخر يتمحور فى أن الرجل – السيسى – قد جن.. كيف يجروء على هذا التحدى.. أى استقلال وطنى ذاك الذى يريده.. نحن نتنفس برئتى بريطانيا العظمى وأمريكا.. كيف نحيا بعيدا عن يديهما الممتدة عبر الشرق.. فى هذه المرة كان أولئك قد رتبوا سلفا أمر سفر أسرهم للخارج.. بينما أمنوا لأنفسهم الرحيل فى أى وقت لبلدان يحملون جميعا جنسيتها.. سيظلون فى الداخل إلى حين, فى انتظار إشارة من التاج البريطانى أو الراعى الأمريكى لتولى أمور البلاد.. أولئك هم بوضوح الطابور الخامس.. الذى يحرك الإعلام – مرئى ومقروء – كيفما يريد.. ويحرك المدعين بأنهم ساسة أو نخبة أو مثقفين فى الاتجاه المطلوب.. ويعتقدون أنهم يقبضون بأيديهم على عنق الدولة المصرية.. يخنقونها إذا إرادوا, ويرخون أصابعهم إذا سلمتهم الوطن على صينية من ذهب.. أولئك لا يدركون أن الدولة المصرية “القديمة” قدم التاريخ.. قد قطعت “حبلهم السرى” دون أن يدروا.. وإن تناثرت بعض الدماء.. فمن السهل إزالتها بقليل من مطهر محلى الصنع.. إلا لو قرروا طواعية الرحيل لجزيرتهم المستقبلية التى أطلقوا عليها سابقا “ليبرال لاند”!!
إيمان إمبابى