الصحافة الثقافية بين ذكريات تاريخ مجيد وواقع مشحون بالتحديات

بين ذكريات تاريخ مجيد وواقع مشحون بالتحديات تستعد الصحافة الثقافية العربية لوداع عام 2018 الذي كان شاهدا على حقائق دالة سواء على مستوى التاريخ أو الحاضر.
ولاريب أن الصحافة الثقافية تشكل ذراعا فاعلة للثقافة في أي بلد والتعبير عن ثرائها وتنوعها والدفاع عن منظومة قيمها وهوية شعبها ونشر الإبداعات وتشجيع المبدعين ووسيطا مهما من وسائط القوة الناعمة بقدر ما تسهم في تشكيل الوجدان العام للمجتمع.
وفي بلد كالولايات المتحدة يطمح أغلب الصحفيين في صحف كبيرة وشهيرة كنيويورك تايمز وول ستريت جورنال وواشنطن بوست للكتابة في مجلة النيويوركر نظرا لمضمونها الثقافي الرفيع المستوى بحيث تعد الكتابة فيها بمثابة شهادة جدارة للصحفي.
وهذه المجلة التي أسسها الصحفي الأمريكي هارولد روس عام 1925 في نيويورك تحظى أيضا بإعجاب كتاب كبار في العالم العربي مثل الكاتب اللبناني سمير عطاالله الذي لا يخفي في بعض كتاباته إعجابه البالغ بالمضمون الثقافي الرفيع المستوى “للنيويوركر” والتي تسعى لمد جسورها مع الأجيال الشابة من القراء.
وإذ تحظى مجلة “العربي” الكويتية بتقدير الكثير من المثقفين العرب كان الاحتفال الذي أقيم مؤخرا بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس هذه المجلة الثقافية قد اقترن بالعديد من التعليقات والطروحات حول دورها الثقافي المهم فيما كان أول رئيس تحرير لها أحد الآباء الثقافيين المصريين وهو العلامة الدكتور أحمد زكي.
ومنذ إصدار أول أعدادها في شهر ديسمبر عام 1958 أفصحت مجلة العربي عن رسالتها الثقافية العربية وارتباطها بالعروبة الثقافية فيما تولى رئاسة تحريرها الكاتب الصحفي المصري الكبير احمد بهاء الدين خلفا للعلامة احمد زكي.
وإذا كان الدكتور احمد زكي الذي قضى عام 1975 قد جمع بين العلم والأدب وشغل مناصب علمية مثل عميد كلية العلوم ومدير مصلحة الكيمياء ورئيس جامعة القاهرة كما اختير وزيرا للشؤون الاجتماعية فهو أيضا من أعضاء مجمع اللغة العربية في القاهرة الشهير “بمجمع الخالدين” وأحد مؤسسي لجنة التأليف والترجمة والنشر التي ضمت كوكبة من الآباء الثقافيين المصريين وتولى رئاسة تحرير مجلة الهلال بين عامي 1946 و1950 كما عرفته مجلة ثقافية مصرية أخرى هي مجلة الرسالة ككاتب من ألمع كتابها.
أما خليفته في رئاسة تحرير مجلة العربي اعتبارا من منتصف سبعينيات القرن العشرين أي الكاتب احمد بهاء الدين الذي قضى عام 1996 فقد بدأ مسيرته الصحفية في “مجلة الفصول” الثقافية وكان صاحب ذوق رفيع في تقييم الأعمال الثقافية والفنية وهو الذي تولى رئاسة تحرير مجلة “صباح الخير” قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره فنجح بثقافته ومواهبه في أن يجعلها مجلة ناجحة وقادرة على الوصول “لأصحاب القلوب الشابة والعقول المتحررة”.
ووصف الفقيه القانوني ووزير التعليم العالي والمجالس النيابية الأسبق الدكتور مفيد شهاب مجلة العربي “بالمجلة الرائدة” معتبرا أن صدورها منذ 60 عاما جاء ليشبع احتياجات الصحافة الثقافية العربية لمثل ذلك النوع من المجلات بعد أن اختفت مجلات كان لها وزنها الأدبي والعلمي مثل “المقتطف والرسالة والثقافة في مصر”.
وأضاف:”تفردت مجلة العربي بكونها منبرا ثقافيا يعبر عن العالم العربي بأسره وليس دولة الكويت فحسب إذ كان اختيار رؤساء تحريرها من بين نخبة المثقفين العرب مثل الدكتور أحمد زكي العالم الكيميائي والمفكر الموسوعي ثم أحمد بهاء الدين الصحفي الذي أثرى محتوى المجلة في مجالات السياسة والاقتصاد والفلسفة والدين”.
ورغم هذا التراث المضيء للصحافة الثقافية العربية كما تجلى في الاحتفالية الأخيرة بالذكرى الستين لتأسيس مجلة العربي فالشواهد والتعليقات سواء في سياق هذه الاحتفالية أو غيرها تؤكد الآن على أن تلك الصحافة الثقافية في محنة قد تكون جزءا مما يوصف بأزمة الصحافة وتحديات الإعلام في العصر الرقمي ناهيك عن الارتفاع الكبير في أسعار الورق وتراجع الإعلانات كمصدر مهم للتمويل.
وضمن رصده للتحديات التي تواجه الإعلام العربي يقول الدكتور سامي عبد العزيز أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة أن هناك تحديات مجتمعية تتمثل فيما نسميه “بالأمية التعليمية والأمية الثقافية” أو “المستوى التعليمي والثقافي للمجتمع” فضلا عن المسائل المتصلة “بجودة المحتوى”.
ورغم الحديث المتكرر حول تراجع الصحافة الورقية أمام النشر الالكتروني على شبكة الانترنت فإن أزمة الصحافة الثقافية العربية امتدت هذا العام إلى الشبكة العنكبوتية مع توقف مواقع ثقافية مهمة مثل موقع “جهة الشعر” الذي توقف في شهر مارس الماضي.
وهكذا بقدر ما أثار توقف موقع “جهة الشعر” على شبكة الانترنت من شعور بالأسى لدى الكثير من المثقفين العرب فإنه يثير جدلا حول مستقبل الصحافة الثقافية سواء كانت ورقية أو الكترونية فيما يعيد للأذهان ارتباط الصحافة بالثقافة كما يتجلى في أسماء كبيرة في عالم الصحافة بمصر والعالم العربي ككل.
وكان الشاعر البحريني قاسم حداد قد أعلن عن توقف الموقع الانترنتي “جهة الشعر” الذي يعد أحد أعرق المواقع الشعرية العربية وأقدمها على الشبكة العنكبوتية، فيما أوضح هذا المثقف العربي الكبير الذي ولد عام 1948 أن توقف موقع “جهة الشعر” الذي انطلق عام 1996 جاء بسبب مشاكل تتعلق بالتمويل.
وبقدر ما آثار الإعلان عن توقف “جهة الشعر” من شعور بالأسى بين المثقفين العرب فإنه لفت الأنظار أيضا إلى أن ما يعرف بأزمة الصحافة الثقافية طالت الصحافة الالكترونية بعد أن نالت من الصحافة الثقافية ذات الإصدارات الورقية.
وبأسى ظاهر في كلماته قال الشاعر والناقد والأكاديمي اللبناني عقل العويط:”في كل يوم يغلق منبر للشعر والأدب” فيما أبدى معلقون آخرون تحسبهم من احتمال توقف المزيد من المواقع الثقافية على شبكة الانترنت.
ومع التسليم بوجود أزمة تواجه الصحافة الثقافية العربية يلاحظ معلقون أن موقع “جهة الشعر” ليس أول موقع ثقافي عربي يهتم بالشعر ثم يتوقف، معيدين للأذهان أن موقع “قصيدة النثر” للشاعر المصري عماد فؤاد توقف قبل ذلك بسنوات على شبكة الانترنت.
واعتبر بعض المراقبين للشأن الثقافي أن توقف موقع “جهة الشعر” للشاعر قاسم حداد يعني أن “الشعراء يخسرون أرضا جديدة” غير أن معلقين آخرين يرون أن توقف هذا الموقع الثقافي يوميء مجددا لأزمة شاملة تواجه الصحافة العربية مثلما تبدى في نهاية عام 2016 عندما توقفت صحيفة لبنانية كبيرة وشهيرة وهي صحيفة “السفير” ناهيك عن إغلاق “دار الصياد” الصحفية اللبنانية العريقة أبوابها في مطلع شهر أكتوبر الماضي لتضيف علامة حزن للصحافة العربية في عام 2018.
ورأى الكاتب طلال سلمان رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية أن الصحافة العربية تعيش محنة قاسية معتبرا أن هذه المحنة ” لا تفقدها دورها التنويري فحسب بل هي تتهددها في وجودها ذاته” وأكد أن الصحافة العربية “تحتضر”.
وإذ أشارت بعض الطروحات إلى أن توقف صحيفة السفير يأتي في زمن عربي تتراجع فيه الثقافة والصحافة، فإن هذه الصحيفة ذات “النفس القومي العربي” نهضت بدور كبير في مواجهة حالة “الأنيميا الثقافية” التي نالت من رونق الكلمة ونضارة الصحافة وبدت تحوي جرعة ثقافية مكثفة ودالة على قدرات كتابها وإمكانية الكتابة الأفضل في سياقات العولمة دون أن يغفل لحظة عن هموم الوطن الصغير أو الوطن العربي الكبير من الماء للماء.
وفي سياق تناوله لهذه الأزمة وبعد أن استعرض أسماء شهيرة في عالم الصحافة اللبنانية والعربية مثل سعيد فريحة وغسان تويني ونبيل خوري ووليد ابو ظهر وملحم كرم رأى الكاتب الصحفي سمير عطا الله الصحافة هي ” مهنة الشغف لا الاحتراف”.
كما لفت هذا الكاتب الصحفي الكبير إلى أن ” كتاب الصحافة اللبنانية كانوا كبار شعراء وكتاب لبنان” مستشهدا بأسماء مثل “أمين نخلة والأخطل الصغير وسعيد عقل وفؤاد سليمان والياس أبو شبكة والشيخ عبد الله العلايلي وعمر فاخوري وحسين مروة وتقي الدين الصلح وفيليب تقلا”.
وفي عام 2012 توقفت مجلة “الآداب” البيروتية التي كانت تحظى كإصدار ثقافي ورقي بحضور كبير لدى المثقفين العرب منذ أن أسسها الدكتور سماح ادريس في عام 1953 وكذلك اضطربت دورية الصدور لمجلة “بدايات” الفصلية الثقافية اللبنانية التي أسسها في عام 2012 المؤرخ والمفكر فواز طرابلسي.
ويعيد ذلك كله للأذهان أسماء مجلات ثقافية عربية توقفت على مدى سنوات طويلة ودخلت في ذمة تاريخ الصحافة لكنها مازالت حتى الآن تثير شجن عشاق الكلمة بل وتباع مجموعاتها القديمة بأسعار عالية بقدر ماهي دالة على قيمتها.
وإذا كانت مجلة الرسالة – التي أسسها الكاتب احمد حسن الزيات صدرت في الخامس عشر من يناير عام 1933 – منبرا لأقلام كتاب وأدباء ومفكرين مثل عباس محمود العقاد ومحمد فريد أبو حديد ومصطفى صادق الرافعي واحمد أمين والدكتور احمد زكي ومحمود حسن اسماعيل قد توقفت في الخامس عشر من فبراير عام 1953 فإن مجلات ثقافية أخرى قد توقفت بعد ذلك بسنوات مثل مجلات” ابولو والكاتب والجديد وسطور ووجهات نظر”.
والمجلات الثقافية المصرية العتيدة ومن بينها المقتطف التي توقفت منذ سنوات بعيدة عن الصدور كانت تشكل منبرا مفتوحا لكافة الآراء واهتمت بقضايا كبرى مثل تحديد هوية مصر والتركيبة النفسية والعقلانية والذوقية للمصريين ليدلي مثقفون كبار مثل الدكتور طه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وزكي مبارك وإبراهيم عبد القادر المازني بدلوهم في تلك القضايا الهامة.
وفي وقت يشكو فيه بعض النقاد الثقافيين والمعلقين في الصحف ووسائل الإعلام من ظواهر في قضايا الكتابة الابداعية مثل رداءة السرد وفقر الخيال والعجز عن الابتكار والافتقار للتشويق لاريب أن الصحافة الثقافية معنية قبل غيرها بقضايا مثل جماليات الكتابة وطرق التعبير الفني وطرح الجديد على مستوى الرؤى والقوالب أو الأشكال..ويبدو أن تحديات العصر كما تذهب بعض التعليقات بحاجة لاستجابات إبداعية في مجال الصحافة الثقافية لانتاج محتوى مشوق ويحظى بجاذبية بقدر ما ينتصر للعمق ويتحرر من سديم التجاعيد والأحرف الراكدة !.