آراءشويّة دردشة

الثورة الصناعية الرابعة والتحول الإجتماعى| بقلم د. سامي حبيب

يتمثل أحد أعظم الآثار المترتبة على الرقمنة من منظور مجتمعى أوسع نطاقا فى ظهور المجتمع المتمركز حول الذات.. عملية التفريد وظهور صور جديدة من الإنتماء إلى المنظومة المجتمعية.. فعلى العكس مما كان سائداً فى الماضى أصبحت فكرة الإنتماء إلى مجتمع اليوم أكثر اعتماداً على المشروعات الشخصية والقيم والإهتمامات الفردية.. وليس الإنتماء إلى المكان والعمل والأسرة.

إن الصور الجديدة من الإعلام الرقمى التى تشكل عنصرا جوهريا من عناصر الثورة الصناعية الرابعة تزداد تأثيراً فى تأطيرنا الفردى والجمعى للمجتمع والمنظومة المجتمعية الأوسع نطاقا.. فالإعلام الرقمى يعمل على ربط الناس ببعضهم البعض.. سواء فيما يتعلق بالتفاعلات الثنائية.. أو التفاعل بين بين الفرد والجماعة بطريقة جديدة تماما.. مما يساعد المستخدمين على الإحتفاظ بعلاقات صداقة عبر حدود الزمان والمكان.. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تشكيل مجموعات مصالح جديدة.. وتمكين هؤلاء المعزولين اجتماعيا أو ماديا من التواصل مع من يشبهونهم فى طريقة التفكير.. كذلك يسمح المستوى المرتفع من الوفرة وانخفاض التكاليف وتحييد الجغرافيا للإعلام الرقمى بمساحة أكبر من التفاعل عبر الحواجز الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية إلخ.

وكلما أصبح العالم رقميا ومتطورا من الناحية التقنية .. زادت الحاجة إلى الإحساس باللمسة الإنسانية التى تعززها العلاقات الوثيقة والروابط الإجتماعية.. ثمة مخاوف من ناحية من أنه مع تعميق الثورة الصناعية الرابعة من علاقاتنا الفردية والجمعية بفعل التكنولوجيا.. فقد يؤثر هذا سلبا فى مهاراتنا الإجتماعية وقدرتنا على التجاوب عاطفيا وانسانيا مع من حولنا.. ان علاقتنا بالتقنيات التى أتاحتها لنا وسائل الإتصال عن بعد هى حالة تستدعى الدراسة.. فحقيقة أننا على اتصال دائم قد تحرمنا من أحد أكثر أصولنا أهمية.. ألا وهو الوقت الذى نتوقف فيه لنتأمل وتشارك فى حوار واقعى لا تستخدم فيه التكنولوجيا.. ولا يستعان فيه بوسائل التواصل الاجتماعى..
كما ان تعد قضية الخصوصية من أكبر التحديات الفردية التى تمخضت عنها شبكة الإنترنت وزيادة درجة تشابك علاقاتنا بوجه عام.. فعندما تتسم حياة المرء بالشفافية التامة .. وتصبح الأخطاء مهما كبرت أو صغرت معلومة لدى الجميع .. يكون من الصعب على أى منا أن يمتلك الشجاعة للأضطلاع بمسؤليات القيادة العليا حينذاك.. إن علينا أن نفهم الكيفية التى ستؤثر بها التغييرات التكنولوجية الهائلة فى ذواتنا وشخصياتنا.. فقد أصبح لزاما علينا أن نتأكد من أن التكنولوجيا ستبقى فى خدمتنا ولن تستعبدنا.. وعلى المستوى الجمعى ينبغى أن نطمئن إلى أن التحديات التى تقذف بها التكنولوجيا فى طريقنا قابلة للفهم والتحليل على النحو الملائم.. وذلك كي نتيقن من أن الثورة الصناعية الرابعة ستعزز مستوى رفاهيتنا وشعورنا بالسعادة.

إن الثورة الصناعية الرابعة ربما تؤدى إلى تغيير عميق التأثير.. لكن التحديات التى تفرزها هى من صنع أيدينا.. وبالتالى فمن هنا بمقدورنا مواجهة تلك التحديات وتفعيل التغييرات والسياسات المطلوبة للتكيف والازدهار فى بيئتنا التكنولوجية الجديدة.. ولن نستطيع المواجهه بفاعلية إلا إذا حشدنا الحكمة الجمعية لعقولنا وقلوبنا ونفوسنا وذلك من خلال موائمة وتشكيل وتسخير هذه الطاقة الهائلة لذلك التغيير الجامح بتعزيز أربعة أنواع من الذكاء واستخدامها وأولها هو .. الذكاء السياقى( العقل ) وهو يتعلق بالكيفية التى نفهم بها معارفنا المتنوعة ونستخدمها، وأن يكون صانعوا القرار مستعدين وقادرين على الإنخراط مع جميع المعنيين بقضية ما.. وهنا سنكون أكثر انفتاحاً.. وأثقل ارتباطاً.

وثانيها هو الذكاء العاطفى ( القلب ) وهو يتعلق بالكيفية التى نتعامل فيها مع أفكارنا ومشاعرنا ونربط بينهما بحيث يكمل كل منهما الآخر.. ونعرف كيف نتواصل مع أنفسنا ومع الآخرين.

أما ثالثها فهو الذكاء الملهم ( الروح ) وهو يتعلق بالكيفية التى نستخدم بها الشعور بالهدف الفردى والجماعى والثقة الذاتية و المتبادلة وغيرها من الفضائل.. وذلك من أجل تفعيل التغيير والمضى قدما فى خدمة الصالح العام.

أما رابعها فهو الذكاء البدنى ( الجسم ) وهو يتعلق بالكيفية التى نرعى بها صحتنا ورفاهيتنا الشخصية ونحافظ عليهما.. مع صحة ورفاهية المحيطين بنا بحيث يتأتى لنا استخدام الطاقة اللازمة للتحول الذى سيحدث للأفراد والمنظمات.

ماذا نفعل؟

إن علينا أن نقوم بإحداث نهضة ثقافية جديدة.. فنحن لا نعلم إلى أين ستأخذنا الثورة الصناعية الرابعة.. لكن هذا لا يعنى أن نصبح فريسة للخوف والشك بحيث لا ندرك ماهية تلك الوجهه.. إن المسار النهائي الذى ستتخذه الثورة الصناعية الرابعة ستحدده فى نهاية المطاف قدرتنا على تشكيله بطريقة تطلق العنان لقدراتنا وطاقاتنا الكاملة.. لذا فالتحديات رهيبة وعلينا أن نحولها إلى فرص من خلال المبادرة والاستعداد الدائم والملائم لتأثيراتها.. وذلك من خلال رفع مستوى الوعى والفهم عبر كل قطاعات المجتمع.. مع وضع رؤى إيجابية مشتركة وشاملة للكيفية التى يمكننا بها تشكيل الثورة الصناعية الرابعة من أجل الأجيال الحالية والمستقبلية.. مع الشروع فى إعادة هيكلة النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من أجل الاستفادة من الفرص المتاحة.. وكل ذلك يتم من خلال التعاون الدائم والحوار المستمر على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.. وبمشاركة جميع الأطراف المعنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى