آراءشويّة دردشة

أعذب لحن | بقلم د. جيهان عفت

ولد عازف الكمان الإيطالي الأشهر، نيكولو باجانيني في جينوا بإيطاليا، في يوم 27 اكتوبر 1782 م، ورحل عن دنيانا من نيس بفرنسا، يوم 27 مايو 1840م، و يعتبر باجانيني واحد من أشهر من عزفوا على آلة الكمان على مر التاريخ .

بينما كان باجانيني في لندن بالمملكة المتحدة، مر علي أحد الجسور السياحية المزدحمة، وهناك رأى متسولا فقيرا يقف وحيدا يستعطي، تظهر عليه علامات الحزن و الآسي، وهو يمسك بكمان قديم ليعزف بعض الألحان الكئيبة التي تعبر عن فقرة وشقائه، راجيا أن يسمعه المارة فيعطفوا عليه و يضعوا بضعه قروش في قبعته التي وضعها أمامه علي الطريق .

لاحظ باجانيني أن لا أحد يساعد المتسول، فاقترب إليه، و عندها توقع الرجل المسكين أن يضع باجانيني بعض القروش في القبعة، و كان هذا أعظم ما يتمناه المتسول! و لكن حدث ما لم يكن يتوقعه الرجل المسكين، إذ طلب منه باجانيني الكمان، فأعطاه الرجل علي مضض وهو مرتاب.

و بمجرد ما ابتدأ باجانيني يعزف عليه أعذب الالحان حتي استمعت، بل استمتعت الجموع التي كانت بالمكان، بعزوبه الالحان، و تجمهروا سريعا على الجسر، و كان كل منهم يهمس في اذن من بجواره “باجانيني نفسه يعزف !!” حتي ان رجال البوليس الذين أتوا ليفرقوا الجموع أذهلهم جمال وروعه و عذوبه اللحن، فوقفوا مع الجموع يتمتعون بموسيقي باجانيني على كمان الرجل الفقير .

ما أن انتهي باجانيني من العزف حتي دوي التصفيق و علا بين جنبات الجسر الكبير، و ليس هذا فقط، بل اخرج كل من بالمكان لا القروش بل الجنيهات الكثيرة التي ملأوا بها قبعه الرجل الفقير والارض حولها.

وما كان على الرجل إلا ان يجمع هذه الاموال الكثيرة، التي بعدها لم يعد بحاجه للتسول، لقد كانت لمسات باجانيني و عزفه على كمانه القديم في هذا اليوم كافيه لتغير كل حياته ليعود انسانا نافعا لبيته وللمجتمع .

و نحن نودع عام 2017م لنستقبل عام 2018 م .. اعتادت وسائل الاعلام المختلفة ” مرئيه ، مسموعة او مقرؤه” و أيضا وسائل التواصل الاجتماعي بإعداد تقرير عن أهم أحداث العام المنصرم سواء احداث سياسيه، اقتصاديه، علميه، فنيه أو أبرز الشخصيات التي رحلت عن عالمنا و كان لها دور و بصمه سواء عالميه او محليه وهذا ما يطلق عليه “حصاد العام” .. وبشكل شخصي يقوم البعض بعمل كشف حساب شخصي لما حققه من امنيات وما اخفق في تحقيقه وما يتمني تحقيقه في العام الجديد .. لكن وسط خضام الاحتفالات باستقبال العام الميلادي الجديد قد تجد البعض من من يشعرون باليأس أو الاحباط نتيجة ظروف اقتصاديه أو صحيه أو عائليه ألمت بهم او اخفاقات متكررة في تحقيق احلامهم و طموحهم، فيأتي العام الجديد وهم مثل صديقنا المتسول الفقير الذى جلس وحيدا يستعطي، تظهر عليه علامات الحزن و الآسي، يندب حظه العاثر على جسر الحياه و يتسول العطف والشفقة من قلوب الاخرين مع عزف الحان أو كلمات واقوال يعبر بها عن شقائه وحظه العاثر دون أي محاولات منه لمساعده نفسه بشكل فعلي وتطوير مهاراته و قدراته .. فالفرق بين عازف الكمان الايطالى الشهير نيكولو باجانيني والمتسول الفقير عند عمل مقارنه هو الاجتهاد والصبر والعمل على تطوير مهاراته وامكانياته وقدراته ومواهبه وإصراره على النجاح، ايضا التميز في الاداء فرغم قدم آلة الكمان الا ان عزفه كان بإجادة وتميز، أعتقد ايضا امانته فى كل ما يصنع وقلبه الرقيق ومحاولته مساعده الاخرين كما فعل مع المتشرد قد جعلت الله يبارك في عمله و يعطيه نجاح أكثر .  

عزيزي القارئ

اذا كان لديك كوب شاى مر واضفت اليه سكر ولم تقم بتحريك السكر داخل الكوب فهل ستجد طعم حلاوة السكر؟ .. بالتأكيد لا، ثم إذا حاول ثانيا بإمعان النظر بحكمه وصمت وتأمل شديد داخل الكوب فهل تغير شيئا ؟ كل تلك المحاولات لن تغير من مذاق الشاي وتجعله حلوا .. كذلك الحياه ما هي الا كوب شاى مر والقدرات والامكانيات والمهارات التي حبانا بها الله هي السكر .. ان لم تحركه بنفسك فلن تذق طعم الحلاوة .

تقول ” اوبرا وينفري” مقدمه البرامج الاشهر في الولايات المتحدة الأمريكية ” انت المسؤول عن حياتك، اذا كنت تجلس منتظرا من ان يأتي أحد لينقذك أو يصلحك أو حتي يساعدك فانت تضيع وقتك لأنك انت الوحيد الذي تمتلك القدرة لتتحمل المسؤولية بالمضي في حياتك إلى الامام ما يهم هو “الآن” في هذه اللحظة هو استعدادك لتنظر لهذه اللحظة بما هي عليه و تقبلها.

احد المقولات الجميلة تقول “ادركت ان كل الوقت الذى كنت اطلب من الله ان يفعل شيء، كان الله ينتظر مني ان افعل شيء”

لذلك إنسي ما هو وراء وامتد الى ما هو قدام .. سامح نفسك على اخطاء الماضي وتعلم منها، اعمل بجد و تميز .. لتنجح .. لتصل .. لتصبح حياتك افضل .. لتعزف على قيثارتك اعذب الالحان وتساهم بنجاحك في تغيير حياه اخرين .

عــام جـديد سعيــــــد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى